ابن عربي
38
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
كنت أقول إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس : الأعراب ، والشعراء . أما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل ، فمال طبعهم إلى النساء ، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى ، فاستسلموا له منقادين . وأما الأعراب ، فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها . وجملة أمري ما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحرم ، وحسن عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه . فتبسّم عبد الملك وقال : أوكل هذا بلغ بك ؟ فقال : واللّه ما عرفت هذه البليّة قبل وقتي هذا . فوجّه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد ، فذكروا ذلك ، فقالت : لا واللّه أو يطلّق نساءه . فطلّق امرأتين كانتا عنده وتزوّجها وظعن بها إلى الشام . وفيها يقول : أليس يزيد الشوق في كل ليلة * وفي كل يوم من حبيبتنا قربا خليليّ ما من ساعة تذكرانها * من الدهر إلا فرجت عني الكربا أحبّ بني العوّام طرّا لحبّها * ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا تجول خلاخيل النساء ولا أرى * لرملة خلخالا يجول ولا قلبا ومما وجد بخطّ الإمام العلّامة القاضي بدر الدين بن شهبة رحمه اللّه تتمة هذه الحكاية . فلما وقف عبد الملك على الأبيات نظم بيتا ودسّه ليكيد به خالدا ، لأنه كان يروم الخلافة كأبيه يزيد وجدّه معاوية ، فقال عبد الملك : يا خالد ، أأنت القائل : فإن تسلمي أسلم وإن تتنصّري * تحطّ رجال بين أعينهم صلبا ؟ فقال خالد : لعن اللّه قائل هذا البيت ، ولم يعلم خالد قائله . فخجل عبد الملك ولام نفسه . كنت يوما أطوف وقد عراني حال أعرفه ، فخرجت عن البلاط من أجل الناس ، وطفت على الرمل فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع نفسي بها ومن يليني لو كان هناك أحد وأنا أقول وأبكي : ليت شعري هل دروا * أيّ قلب ملكوا ؟ وفؤادي لو درى * أيّ شعب سلكوا أتراهم سلموا * أم تراهم هلكوا ؟ حار أرباب الهوى * في الهوى وارتبكوا فلم أشعر إلا وضربة بين كتفيّ من كفّ ألين من الخزّ ، فرددت وجهي فرأيت جارية من بنات الروم لم أر أحسن وجها ، ولا أعذب منطقا ، ولا أرقّ حاشية ، ولا ألطف معنى ،